Print this page

مؤتمر نقابة الصحفيين:  قيادة جديدة أمام تحديات الدفاع عن الحريات والحقوق المهنية وإعادة ترتيب البيت الداخلي

تواصلت أمس أشغال المؤتمر السابع للنقابة الوطنية

للصحفيين التونسيين، والتاسع والعشرين للمهنة  والذي امتد ليومين، تحت شعار "الصحافة ليست جريمة"، وسط نقاشات تجاوزت مسألة تجديد المكتب التنفيذي لتطرح أسئلة أوسع بشأن مستقبل العمل النقابي الصحفي وحدود استقلالية القرار النقابي وقدرة المنظمة على الدفاع عن الحقوق المهنية والاجتماعية في سياق وطني يتسم بتصاعد الانشغال بملف الحريات.

يأتي هذا المؤتمر قبل أيام قليلة من المسيرة الوطنية المقررة يوم 17 أكتوبر الجاري، التي دعت إليها مجموعة من المنظمات الوطنية والهياكل المهنية والجمعيات، في إطار تحركات مشتركة للدفاع عن الحقوق والحريات والمطالب الاجتماعية.

مؤتمر يتجاوز تجديد الهياكل إلى تحديد ملامح المرحلة المقبلة

تتجه أشغال المؤتمر السابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، والتاسع والعشرين للمهنة، المنعقد يومي 10 و11 أكتوبر  الجاري، نحو محطة مفصلية في مسار العمل النقابي الصحفي، محطة  لا تقتصر على انتخاب مكتب تنفيذي جديد للفترة النيابية 2026-2029، بل تمتد إلى تحديد أولويات المرحلة المقبلة وإعادة ترتيب البيت الداخلي للنقابة في ظل تحديات متزايدة تواجه حرية الصحافة واستقلالية المهنة والأوضاع الاجتماعية للصحفيين. و قد انعقد المؤتمر في ظرف وطني دقيق، تتداخل فيه الملفات المهنية والاقتصادية مع قضايا الحقوق والحريات، بالتوازي مع تحركات تنسيقية بين عدد من المنظمات الوطنية والهياكل المهنية والجمعيات المدنية، استعدادا لمسيرة 17 أكتوبر الجاري. وقد عكست الكلمات الافتتاحية للمؤتمر تقاطعا بين مختلف المتدخلين حول أهمية حرية الصحافة باعتبارها جزءا من منظومة الحقوق العامة، مع التأكيد على ضرورة توفير الظروف الملائمة لعمل الصحفيين وحماية استقلالية المؤسسات الإعلامية، إلى جانب تحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين في القطاع،  لكن أهمية المؤتمر لا تقتصر على الرسائل التي حملتها الجلسة الافتتاحية، إذ يمثل انتخاب المكتب التنفيذي للفترة النيابية 2026-2029 بداية مرحلة جديدة ستكون فيها القيادة النقابية أمام مسؤولية ترجمة المواقف المعلنة إلى برامج عملية ومراجعة الأولويات الداخلية وتعزيز قدرة النقابة على الاستجابة للمشاغل اليومية للصحفيين.

وقد أعادت الكلمات الافتتاحية للمؤتمر التأكيد على أن الدفاع عن حرية الصحافة لا ينفصل عن الدفاع عن بقية الحقوق والحريات وأن استقلالية الإعلام تظل مرتبطة بمدى قدرة الصحفي على العمل في ظروف مهنية واجتماعية تحفظ كرامته وتضمن له الاستقرار والاستقلالية في أداء مهامه، فبعد استكمال المسار الانتخابي، سيكون المكتب التنفيذي الجديد أمام اختبار مزدوج، المحافظة على موقع النقابة باعتبارها طرفا مدافعا عن الحريات العامة وفي الوقت نفسه استعادة زخم العمل القطاعي والتفاوض بشأن الملفات المهنية والاجتماعية التي تنتظر حلولا عملية.

زياد دبار: استقلالية النقابة شرط للدفاع عن الصحافة وحقوق الصحفيين

شدد زياد دبار  في كلمته الافتتاحية على أن معركة الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة الصحفيين لا تنتهي بانتهاء عهدة انتخابية، معتبرا أن المؤتمر يمثل فرصة لتجديد الالتزام باستقلالية المهنة والعمل النقابي وتوسيع دائرة التضامن من أجل صحافة حرة ومهنية ومستقلة ومسؤولة، مشيرا إلى أن حرية الصحافة ليست امتيازا خاصا بالصحفيين، وإنما حق للمجتمع بأكمله، باعتبارها إحدى الضمانات الأساسية للنقاش العام والمساءلة والرقابة على أداء المؤسسات وأصحاب القرار. وربط بين استقلالية الإعلام والحقوق المهنية والاجتماعية للصحفيين، مبرزا أن حرية العمل الصحفي لا يمكن أن تصمد في ظل هشاشة الأوضاع المهنية وتفاقم الأزمات الاقتصادية التي تعيشها مؤسسات إعلامية عديدة. وفي هذا السياق، دعا إلى إطلاق سراح الصحفيين مراد الزغيدي وبرهان بسيّس وزياد الهاني ومحمد اليوسفي، مجددا التأكيد على ضرورة الدفاع عن حرية الصحافة وكرامة العاملين في القطاع. كما شدد على استقلالية النقابة عن كل محاولات توظيفها لفائدة أي طرف، موضحا أن استقلالية القرار النقابي لا تعني الانغلاق أو العزلة، بل تقتضي بناء علاقات وشراكات مع مختلف القوى المدنية والاجتماعية والحقوقية التي تتقاطع معها في الدفاع عن الحريات.

مساندة حقوقية ومهنية تؤكد ترابط الحريات

من جهته أكد عميد الهيئة الوطنية للمحامين بوبكر بالثابت دعم قطاع المحاماة للصحفيين وللتضحيات التي يبذلونها من أجل صحافة حرة ومستقلة قادرة على تناول قضايا المجتمع والمساهمة في تطويره. وشدد على أن قيام مجتمع ديمقراطي يظل مرتبطا بتوفير الظروف الملائمة لعمل الصحافة، مشيدا بالكفاءات التونسية في مجال الإعلام والصحافة، على المستويين الوطني والعربي وفي المؤسسات الدولية. بدوره ، اعتبر النائب ثابت العابد، رئيس لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب، أن الدفاع عن حرية الصحافة مسؤولية عامة، وأن تحمل المسؤوليات السياسية يقتضي قبول حق الصحافة في النقد والمساءلة والرقابة. وأشار إلى مسؤولية البرلمان في مراجعة النصوص التشريعية والاستماع إلى الأطراف المعنية بها ومراقبة آثارها، داعيا إلى فتح نقاش علني بشأن الإصلاحات الضرورية لضمان حرية التعبير والإعلام. كما أعرب عن تضامنه مع الصحفيين الموقوفين، داعيا إلى إطلاق سراحهم واحترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة، ومؤكدا أن كل إيقاف يجب أن يخضع لمقتضيات الضرورة والضمانات والتناسب. أما رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات رجاء الدهماني، فقد اعتبرت أن المؤتمر يتجاوز طابعه التنظيمي إلى كونه محطة لتجديد الالتزام بحرية الصحافة والتعبير وحق التونسيين في المعلومة والاختلاف. وانتقدت تتبع الصحفيين بسبب مواقفهم أو عملهم على كشف الحقيقة، مشددة على أن الصحافة المستقلة تمثل ركيزة أساسية للدفاع عن الحقوق والحريات، بما في ذلك حقوق النساء ومناهضة العنف والتمييز والإفلات من العقاب.

اتحاد الشغل: علاقة تاريخية وتنسيق في ظرف استثنائي

احتلت العلاقة بين نقابة الصحفيين  واتحاد الشغل حيزا مهما من النقاش خلال الجلسة الافتتاحية، خاصة في ظل التحركات الاجتماعية المنتظرة خلال الأيام المقبلة. وأكد الأمين العام للاتحاد صلاح الدين السالمي تقديره للصحفيات والصحفيين، مبرزا متانة العلاقات التاريخية التي تجمع المنظمة الشغيلة بنقابة الصحفيين منذ بداية سبعينات القرن الماضي. وأشار إلى أن المؤتمر ينعقد في ظرف استثنائي تمر به البلاد، بما استوجب تعزيز التنسيق بين المنظمات الوطنية والجمعيات والهياكل المهنية، وصولا إلى أطر مشتركة للدفاع عن مطالب مكونات المجتمع التونسي وعن الحقوق والحريات. وتطرق السالمي إلى العلاقة التاريخية بين المنظمتين، مشيرا إلى توقيعهما على بيان مشترك مع عدد من المنظمات والهيئات والجمعيات يدعو إلى تنظيم مسيرة اجتماعية سلمية يوم 17 أكتوبر الجاري. كما انتقد غياب الحوار مع الاتحاد بشأن بعض الإضرابات والتحركات الأخيرة في قطاعي البنوك والمناجم، مؤكدا استعداد المنظمة للحوار وتمسكها بالحق النقابي باعتباره مكسبا دستوريا وتاريخيا.

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في قلب أزمة القطاع الإعلامي

لم تغب الأوضاع المهنية والاجتماعية للصحفيين عن مداخلات المؤتمر، إذ برزت الدعوات إلى تحسين الأجور والحد من التشغيل الهش وحماية المؤسسات الإعلامية من الإغلاق والتسريح باعتبارها مطالب أساسية لضمان استمرارية المهنة. وأكد رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بسام الطريفي أن الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وكرامة المواطن لا يمكن فصله عن حرية التعبير ووجود صحافة مستقلة، معتبرا أن النضال من أجل الحقوق والحريات يشمل مختلف شرائح المجتمع. من جانبه، شدد رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أيوب الغدامسي على ضرورة تكاتف الجهود لحماية حرية التعبير، داعيا إلى تحسين أجور الصحفيين والحد من هشاشة التشغيل، وتجنب إغلاق المؤسسات الإعلامية وتسريح العاملين فيها.

تطرح هذه المواقف أمام المكتب التنفيذي الجديد ملفات تتطلب معالجة تتجاوز التصريحات العامة، خاصة في ما يتعلق بانتظام صرف الأجور والتغطية الاجتماعية وظروف العمل داخل المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة وضمان حقوق الصحفيين في مواجهة التسريح أو فقدان مواطن الشغل. وتتطلب هذه الملفات برنامجا نقابيا قابلا للتنفيذ، يقوم على ترتيب الأولويات وتحديد الجهات المعنية بالتفاوض، مع وضع آليات لمتابعة الالتزامات وتقييم النتائج.

فالتحدي لا يتمثل في تجديد المطالب ذاتها مع كل مؤتمر، وإنما في تطوير وسائل الدفاع عنها وتحويلها إلى مكاسب قابلة للقياس، بما يعزز ثقة الصحفيين في مؤسستهم النقابية.

إعادة ترتيب البيت الداخلي

يطرح تنظيم البيت الداخلي للنقابة باعتباره أحد أهم رهانات المرحلة المقبلة، أسئلة تتعلق بكيفية إدارة الاختلاف داخل المنظمة وتعزيز المشاركة في اتخاذ القرار، وتجديد العلاقة بين المكتب التنفيذي والقواعد الصحفية في مختلف المؤسسات والجهات. ولا تقتصر عملية إعادة ترتيب البيت الداخلي على توزيع المسؤوليات بين أعضاء المكتب الجديد، بل تشمل مراجعة أساليب العمل وتطوير آليات التواصل والمتابعة، وضمان حضور الملفات المهنية في صلب الاجتماعات والقرارات النقابية. كما تقتضي المرحلة المقبلة توسيع مشاركة الصحفيين الشباب، وتعزيز تمثيل مختلف الأجيال والاختصاصات، والانفتاح على التحولات التي يشهدها القطاع، دون التفريط في المبادئ التي قامت عليها النقابة وفي مقدمتها استقلالية القرار النقابي والدفاع عن حرية الصحافة. ومن بين الملفات المطروحة أمام المكتب التنفيذي الجديد، تطوير العلاقة مع المؤسسات والهياكل الرسمية المعنية بقطاع الإعلام، على قاعدة الحوار والوضوح في المطالب بما يسمح بالدفاع عن مصالح الصحفيين دون إغفال الصعوبات الاقتصادية والتنظيمية التي تواجه المؤسسات المشغلة.

15 مترشحا

وكان المؤتمر قد شهد  تقديم 15 مطلب ترشح لعضوية المكتب التنفيذي الجديد، قبل أن يعلن أيمن الرابعي انسحابه لاحقا من السباق الانتخابي. وتضم القائمة المعلنة أمين الضبايبي وأيمن الرابعي وبشرى السلامي وجيهان اللواتي وحبيبة العبيدي وزياد دبار  وسليم بوخذير وسوار عمايدية وطارق بن معاوية وعادل الرياحي وعبد الرؤوف بالي وعواطف الجبالي وكريم وناس، ونادرة بن رجب ونور الدين أحمد. وكان المكتب التنفيذي للنقابة قد اجتمع يوم 1 أكتوبر الجاري للنظر في مطالب الترشح، وأعلن تلقيه 15 مطلبا في الآجال القانونية، قبل ضبط قائمة المترشحين بعد التثبت من استيفاء الشروط المطلوبة. وينص النظام الداخلي والقانون الأساسي للنقابة على إمكانية الترشح لكل عضو استوفى خمسة انخراطات متتالية بصفته عضوا عاملا، على أن يكون آخرها انخراط سنة المؤتمر. كما انتخب المشاركون الصحفي مراد علالة، رئيس التحرير بجريدة «الصحافة اليوم»، رئيسا للمؤتمر، بعد حصوله على أغلبية الأصوات وتقدمه على منافسه منجي الخضراوي.ومهما تكن نتائج الاقتراع، فإن الرهان الأساسي لا يتعلق فقط بتوزيع المسؤوليات داخل المكتب التنفيذي، بل بمدى قدرة القيادة الجديدة على بناء فريق متماسك، يحدد أولوياته بوضوح ويضمن استمرارية العمل النقابي ويستوعب اختلاف الرؤى داخل المنظمة.

ما بعد الانتخابات: حصيلة قابلة للتقييم

تتجه الأنظار إلى طبيعة الأولويات التي سيعتمدها المكتب التنفيذي الجديد، ومدى قدرته على تحويل النقاشات التي رافقت المؤتمر إلى برنامج عمل متكامل. وتبرز في هذا الإطار مجموعة من الملفات التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة، في مقدمتها الدفاع عن حرية الصحافة ومتابعة القضايا المتعلقة بالصحفيين الموقوفين، وتحسين الأوضاع الاجتماعية والمهنية، وتطوير الحوار مع المؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الوطنية دون التفريط في استقلالية القرار النقابي. كما سيكون المكتب الجديد مطالبا بإعادة تقييم آليات التواصل مع الصحفيين وتطوير الحضور النقابي في الجهات والمؤسسات وضمان متابعة أكثر انتظاما للملفات المهنية، بما يجعل النقابة أقرب إلى مشاغل منظوريها وأكثر قدرة على التدخل في الوقت المناسب.وتفرض هذه المسؤوليات اعتماد مقاربة تقوم على تحديد الأولويات وفق درجة استعجالها، والتمييز بين المطالب التي يمكن التقدم فيها بسرعة والإصلاحات التي تتطلب مسارات تفاوضية أطول.

فما بعد الانتخابات هو الاختبار الفعلي للقيادة الجديدة، ومن خلال قدرتها على الانتقال من التعهدات إلى الإنجاز ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ومدى نجاحها في جعل استقلالية النقابة قوة تفاوضية، والتضامن الوطني رافعة للدفاع عن الحقوق وتحقيق المكاسب.

المشاركة في هذا المقال